محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري

27

الاعمال الصوفية

أو قوت ، أو تثبيته على الرضا بالموت ، إن لم يتيسر شيء من ذلك ، فإن الذي يحمل الزاد قد يفقد الزاد أو يضل بعيره ويموت جوعا ، فذلك ممكن مع الزاد كما أنه يمكن مع فقده » « 23 » . ويقيم الغزالي نظريته عن « التوكل » على أساس من نقده المعروف للسببية ، أي نفي الارتباط الضروري بين السبب والنتيجة ، واعتبار اقترانهما اقترانا في مستقر العادة ، وليس طبيعة قائمة بهما ، كما شرح ذلك في « تهافت الفلاسفة » . فكما أن النار هي سبب الإحراق بحكم العادة لا بحكم الضرورة ، فإن القوت والمسكن والملبس والعلاقة الاجتماعية في الزواج يمكن أن يتحقق أيضا خارج مستقر العادة في المفاوز والبوادي ، إذا أحسن العبد التوكل على الله . لأن « مسبب الأسباب أجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارا للحكمة » « 24 » . هنا ينبغي التمييز بين ظاهرة « التوكل » كممارسة ثقافية وبين « تفسير » الغزالي لها استنادا إلى مبدأ « التجويز » أو نفي الارتباط الضروري بين السبب والنتيجة . وكان المانويون يمارسون التوكل كظاهرة ثقافية قبل الإسلام ، وظلوا يمارسونها في المساحة الجغرافية نفسها التي عاش فيها النفّريّ . ينقل الجاحظ عمن رآها قوله : « رهبان الزنادقة سيّاحون ، كأنهم جعلوا السياحة بدل تعلق النسطوري في المطامير . . . قال : ولا يسيحون إلا أزواجا . ومتى رأيت واحدا منهم فالتفتّ رأيت صاحبه . والسياحة عندهم ألا يبيت أحدهم في منزل ليلتين . قال : ويسيحون على أربع خصال : على القدس والطهر والصدق والمسكنة . فأما المسكنة ، فأن يأكل من المسألة ، ومما طابت به أنفس الناس له حتى لا يأكل إلا من كسب غيره الذي عليه غرمه ومأثمه . وأما الطهر فترك الجماع ، وأما الصدق فعلى ألا يكذب . وأما القدس فعلى أن يكتم ذنبه ، وإن سئل عنه » « 25 » . وهذه الخصال الأربع لا تختلف كثيرا عن الخصال الست عند الغزالي ، التي تبدو وكأنه تأطير وتفصيل « إسلامي » لها « 26 » .

--> ( 23 ) الغزالي : إحياء علوم الدين 4 / 285 . ( 24 ) الإحياء 4 / 285 . ( 25 ) الجاحظ : الحيوان 4 / 459 . ( 26 ) كان المانويون يصنفون الناس إلى درجات أعلاها الصدّيق ، وهو مصطلح آرامي مماثل لمصطلح « الولي » في الإسلام . وحين شنّ الساسانيون حملتهم العنيفة لاستئصال المانوية باعتبارها حركة مضادة للمجوسية ، الديانة الرسمية للدولة الساسانية ، رافقت الحملة العنيفة لاستئصالهم حملة ثقافية مماثلة جرى فيها تحريف كلمة « صدّيق » الآرامية إلى كلمة « زنديق » الفارسية بما يغير معناها من -